04 février 2008
المهرج العجوز
ش. بودلير
ما زال الناس ينتشرون في كل مكان، يظهرون ويبتهجون أيام العطل. وكان ذلك عيداً من تلك الأعـياد الاحتفالية التي يعول عليها المهرجون،
صانعو المخارط ، وعارضو الحيوانات،وأصحاب الدكـاكـين المتجولون،
زمنا طويلاً ،تعويضاً عن سوء الأحوال الجوية للسنة . يبدو لي أن العامة هذه الأيام تنسى كل شيء، تنسى الألم والشغل، ويصبح الأمر كذلك بالنســبة إلي الأطفال، وبالنســبة إلى الصغار،فهو يوم إجازة، وهو الرعب اليومـي من المدرسـة الذي مرده إلى أربع وعشرين ساعة.
وبالنسبة إلى الكبار، فهو هدنة أبرمت مع قوى الشر في الحياة،وتوَقف ٌعن العناد والصراع الشاملين .
ينجو رجل المجتمع ذاته، والرجل المشغول بالأعمال الروحية بصعــوبة من تأثـير ذلك اليوبـيل الشعبي. يمتصـان دون أن يرغـبا في ذلك، نصيبهـما من هذا الجـو الاستهـتاري، وبالنسـبة إليّ كباريسي حقيقي؛ فلا ينـقص أن أفحـص كل البـيوت الحقـيرة التي تمشـي اختـيالاً في هذه الأيام الاحتفالية. فظلت تتنافس حقاً فيما بيــنها منافسة عجيبة: تتصايح، وتزعق، وتعوي بدون انقطاع .
كان ذلك مزيجـاً من الصرخـات، ومن الآلات النحاسية النافخة، وفرقعات السـياط، وما انفك أصحاب الذيول مـن الشـعر المـعقود بعــقدة حمراء، والمهرجون المغفلون يشنجون قسمات وجوههم السمراء، البردُ قسا عليهم، والمطر والشمس،وكاـنوا يلقـون نكثـاً وطـرائف من أفانين القول هزلية، متـينة وثــقيلة، تشـبه هزليـات موليير يلقــونها بثيمات الممثلين الواثقــين بتأثـيرهم على الجـمهور...والأبـطال الهراقل مزهوون بـتزايد أعدادهم، وهم بلا جباه ولا جماجم، كأنهم وحوش الغابة من القردة، ظلوا يتبخترون في أبهة تحت القماطات المغسولة عشية َ تدعو الحاجة إلى ذلك. ومازالت الراقصات الجميلات، كالغيد الفواتن، يثبن ويتشقلبن تحت ضوء الفوانيس التي كانت تملأ تنوراتهن ألقاً .
لم يكن كل شيء إلا ضوءً وغباراً،وصرخات ٍ،وفرحاً وصخباً. وما فتــئ بعض الـناس ينفــقون, وآخرون يكــسبون، كذلك؛ فإن الأوليــن والآخـرين مرحون، وظل الأطفال يتعلقون بتنورات أمهاتهم ليشاهدوا أفضل مشاهدة، مشعبذاً متألقاً زاهياً مثل إله، وكانت تطغى على جميع العطـور، رائحة طعام مقلي، كأنه بخور هذا العيد .
عن كثب، وفي الطرف الأقصى من صف الأكواخ، رأيت مهرجـاً فقير الحال، مقوس الظهر،متساقط الشعر، متداعي الجسم،خائر القوى، عجوزاً عفا عليه الزمن،رأيتُ تهدمـاً إنسانــياً، كأنـما أزيلت عـنه هو نفسُه؛ وذلك عار،جميع تلك المهابات، رأيته يسـتند إلى أعمـدة مخبئه، مخبإ ٍ أشد بؤساً من مخبإ المتوحـش الأبله بلاهة أشـد،الذي كانت ثروته الزهيدة تتبدد ولا تزال تنير أيام شدته الكالحة .
الفرح في كل مكان، والكسب والفجورفي كل مكـان،لقد تحقق الخبز للأيام التالية، والانفجار الحيوي المسـعور في كل مكان، هنا الفقر المدقع، والتعاسة المرتداة بغرابة، وزيادة في الرعب، والأسمال المضحكة التي كانت الضرورة قد مهدت فيها للتناقض، إضافة إلى الفن. ما كان يضحك، فياله من بئيس ! ولا كان يبكي، ولا كان يرقص أو يومئ بحركات، أو يصرخ، أو يغني أي أغنية، لا مرحة أوداع أمرها للرثاء، ما كان يتضرع، كان أخرس، وغير متحرك في مكانه. كان قد زهد، وكان قد اعتزل، فمصيره قد حسم فيه.
لكنْ، أي نـظرة عمـيقة، غـير قا بلة للنــسيان، كانت تتسكع حول الحشد والأنوار التي كان امتدادها المتحرك يتوقف على بضع خطوات من بؤسه المشمئز!
إني أحس حلقي مخـنوقاً باليـد المرعبـة للهستيريا، وبـدا لـي أن نظراتي كانت مصدومة من خلال تلك الدموع المتمردة، العصية عن السقوط. ما العمل؟ ماجدوى ســؤال ذلك البئــيس، وأي فضـول، وأي لعبـة عجيبة كانت عنده ليُـريها آية للنـاظرين، وفي ذلك الظـلام المقـيت، وراء سـتاره الممزق؟
حقاً، لاأتجرأ ُ، وربما كان من شأن سبب خجلي أن يضحككم، وسأعترف أنني كنـت أخاف إذلاله،، وأخـيراً صمـمت بعد قليل أن أضع وأنا مار، شيئاً من النقود على لوحـاته الخـشبية، عله يحدس مقصـــدي من ذلك، لما جرني اندفاع حشد كبير من الناس، بعيداً عنه إلى الوراء،قدسببته أي بلبلة غير محدودة .
وعند التفاتي إليه،حاصرتني تلك الرؤية، فبحثت في تحليل ألمي المباغت، وقلت في نفسـي: لقد رأيت بـعد قلـيل، صـورة الأديب المسلي اللامـع، ورأيت صورة الشاعر العجوز بلا أصدقاء، وبلا أ ســرة، ولا أولاد، المتدهور بسبب بؤســه، وبسبب التنكر العلني له، وفي الكوخ الذي لا يرغب الناس النسيون في الولوج إليه قط .
ترجمة: محمد الإحسايني




