02 juillet 2008
الطيور شعراً
مجلة أبابيل: ملف " الطيور/شِعراً "
صدر العدد الجديد ( الرابع و العشرون ) من مجلة أبابيل الشهرية التي تصدر على شبكة الإنترنيت و تعنى بنشر الشعر متضمناً العديد من المقالات و القصائد .
ففي باب قوارب الورق أربع قراءات لديوان الشاعر عابد إسماعيل " لمعُ سراب " كتبها / راسم المدهون ، جولان حاجي ، شوقي مسلماني ، وابراهيم حسو / بينما كتب رائد وحش " محمود درويش و سليم بركات / مَنْفَيان و منفِيّان في لعبة المرايا المتقابلة " ، و كتب هشام الصباحي عن ديوان " الكرسي " للشاعر شيركو بيكه س ، و كتب عبد السلام العطاري عن ديوان " بيت العين " للشاعرة رانة نزال ، و كتب مفيد نبزو عن الشاعر نصر علي سعيد / يرفع رايته البيضاء و يترجل عن فرسه ، إضافة إلى الإصدارات الشِعرية الجديدة .
في زاوية أشجار عالية ثلاث قصائد نثرية للشاعرة بيرناديت هول ( ترجمة : رافد شنان ) ، و كتاب في مقهى للشاعر مارفين بيل ( ترجمة : محمد حلمي الريشة ) ، و قصيدة الأندلسيّة لألفريد دو موسيه ( ترجمة : فريد بن محمد ) .
و أنضم الى عائلة القصيدة كل من الشعراء : كولالة نوري ، علي جازو ، دارين أحمد ، منذر مصري ، أديب كمال الدين ، فاطمة ناعوت ، عبد الرحيم الخصار ، ياسين حسين ، معتز طوبر ، عبد الرزاق الربيعي ، عمر الشيخ ، دلدار فلمز ، عبد الله الفيفي ، محمد عبيد ، محمد جميل أحمد ، عيسى بطارسه ، و محمد طالب الأسدي .
إضافة إلى قصائد نشرت تحت بند " الطيور / شِعراً "
العدد مزين بلوحات الفنان ابراهيم بوسعد .
يذكر ان أبابيل.نت مجلة شهرية إنترنيتية تعنى بالشِعر، ويشرف على اصدارها الشاعر السوري عماد الدين موسى .
للإطلاع يمكنكم زيارة موقع المجلة :
www.ebabil.net
و المشاركة عن طريق البريد الإلكتروني :
28 juin 2008
ناري علقار!
محمد بشار
نَارِِي عَلْعَقـَارْ
نَارِِي نَارِِي عَلْعَقَارْ
رَْاه دار جْناحْ
فْ لهوا حلّق وطار
من سْْماه طل بٱحتقار
قهقه وقال:
ياكحْلين الرّاس
مال الدار دايْرا لكم الوسْواسْْ
علاش التخمام بلا قياس ؟
مالكم و صداع الراس ؟
والسْهير وقلة النعاس ؟
ريْحو البال وهنيوْ صحاب المال
نساوْ هم الملكية
نساوْ قبر الدنيا
.............
على بغثة وبلا إنذار
بلا حدود فاضت لسعار
الشقة،البقعة،الدار...
فثمانها شعلات النار
(Le noir) وزادها صهد، حر نْوار
الربح لحرامي عْما لبْصار
الصدمة كانت كبيرة
على صحاب الجيوب الصغيرة
الشابات والشبان
طاحو فحيرة
حلامهم الجميلة
ف الحب والزواج ولستقرار
بين يوم وليلة
صبحات مستحيلة
ولات سراب وبخار
.............
الميتر من المحتاج يسخر
ويقولو بعّد ألكِدار
الوقت عليك قصاح
وزمان صحاب السنتيم راح
مابقى سكن اقتصادي
لا تسهيلات ولا كريدي
ديك الحجاية صارت ماضي
هناتنا وعطاتناالتيقار
.............
هذا وقت المشاريع لكبيرة
بحال دار ضيافة،أطيل أو بار
اللي تْبِِِيض فلوس ساهلة وكثيرة
بالريال والأورو والدولار
راه عيب وعار
الأرض اللي تفيد الناس لكبار
تضيع فحانوت ، كراج أو دار
واش ماشي حرام
صحاب لفلوس لكثار
يتحرمو من تضحية الاستثمار
راه خاص فلوسهم تدور وتزكى
باش هذا السادة
يتفطحو بلا عنا بلا شقا
باركا من لحسد ولغيار
باركا من النگير ولبكا
يامزاليط كلها فقنتو يتكا
ٱش بينكم وبين الشقة
.............
الرباط في 25 فبراير 2008
23 juin 2008
أرباح موزعي الكتب
ربح موزع الكتب أكبر من تاجر المخدرات!
محيط - شيماء عيسى
في حلقة برنامج "شارع الكلام" الذي تبثه فضائية "النيل الثقافية" ، ناقش مقدما البرنامج أحمد يوسف ورهام منيب، مقالة جديدة للكاتب عزت القمحاوي ونشرتها دو
ا السوق ، الأمر الذي أعطى الموزع قدرة تفاوضية أكثر من الناشر.
|
| ||
|
|
| |
وأضاف : أمر غير عادي أن أمة بها 300 مليون نسمة وتعد أحد اكبر المجموعات التي تجمعها لغة واحدة هي العربية ، من الغريب أن الرواية توزع ألف نسخة فقط ! ، وحينما يبيع الكتاب ثلاثة آلاف نسخة نسميه "أكثر مبيعا" ، وهذا لأن الناشر فقد قدرته التفاوضية ، الدانماركيون مثلا عددهم 5 مليون يوزع الكتاب 10آلاف نسخة لديهم .
الناشر إسلام شمس الدين ، قال : تعودنا أن الناشر هو الشماعة الوحيدة نعلق عليها مشكلات الكتاب ، ورأى أن المشكلة الكبرى ليست في نسبة الموزع بقدر ما هي في خطوات المحاسبة ، فالخمسين في المائة التي يحصل الناشر عليها والمؤلف قد تصله بعد ستة أشهر ، فالموزع يضغط على الناشر ثم يضغط بدوره على المؤلف ، أما نسبة الكاتب 10% من عائد الكتاب وهي نسبة عالمية ولكن يصعب تطبيقها لدينا لأن توزيع الكتب ضعيف بينما هذه النسبة تحقق للكاتب العالمي ملايين الدولارات .
وأضاف : هناك مشكلة لم نتحدث عنها وهي غياب دور المؤسسة الثقافية والمقصود به وزارة الثقافة والهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة ، هي ليست منافس قوي للناشر لنلجأ لها ، المؤسسات الثقافية هذه تطبع على حسابها وتكلف وتعطي عائدا بسيطا للمؤلف ، ولكن مستوى الطباعة شكليا يكون سيئا للغاية ، وقد تؤخر نشر الكتاب لسنوات طويلة ، وتتدخل المجاملة باختيارات الكتب ، فغياب دور المؤسسة الثقافية هو أحد أهم أسباب الفوضى ، إضافة لمسألة العرض والطلب ، وإذا توفرت هيئة ثقافية تجمع الناشرين والموزعين القادرين على التفاوض وتجري نسبة عادلة من العائد للقاريء والناشر والمؤلف تحل المشكلة .
وأشاد عزت القمحاوي بالموزعين الجدد والمتمثلين في المكتبات التي أنشأها مثقفين ، ولكن عليهم دور أن ينشئوا المكتبات في الأحياء الشعبية أيضا ، وهم يقومون بخدمة للقراء من خلال ترشيح أفضل الكتب لديهم لزيادة سوق القراءة .
|
| ||
|
|
| |
وبسؤال الناشر شمس الدين عن الكتب التي يتحمس لها ، قال : لا توجد معايير لأعرف الكتاب الذي سينجح بالسوق ، ويكون المعيار هو المادة الجيدة أيا كان جنسها ، وأرى أن المكتبات تفرض توجهاتها ، فمعظم المكتبات ترفض الدواوين الشعرية مثلا ، لأنها تتوقع معه نسبة مبيعات أقل ، والبعض يرفض نشر المسرح ، فهل أخاطر كناشر بتبني مسرحية جيدة قد تسبب كساد بمبيعاتها لدي ؟ هل أتحمس لها ؟ المسألة تحتاج لإعادة نظر في التعامل بين الناشر والموزع .
وينظر القمحاوي لحل المشكلة بأن يتحرك اتحاد الناشرين والكتاب ليضعوا نسب عادلة للمؤلف والموزع ، من 10 % للأول ومن 25% للموزع ، وإنقاذ عادة القراءة لدى الشعب المصري والتي بدأت تتحرك بالفعل بالتدوين والصحافة الجديدة ، لأن القراءة كالسلالم قاريء الصحيفة يسلم للمجلة وهي تسلمه للكتاب الاكثر مبيعا ثم الكتاب المتخصص ذو المضمون الجيد ، وحينما ضربت السلمة الأولى بالإنشاء التي تملأ صفحات الجرائد ، ظهرت المدونات والصحافة المستقلة ، علما بأن موت القطاع العام في الصحافة لمصلحة الفكر .
أما الناشر اسلام فرأى أن لدينا جيلا من الكتاب الشباب عندهم جرأة الكتابة والنشر ، وليس عندنا مكتبات تستوعب إبداعهم الفكري والأدبي، ونطالب بتفعيل وإصلاح المؤسسات الثقافية، خاصة منافذ التوزيع مقتصرة على اماكن معينة بالقاهرة تحديدا ، ولابد من تفعيل دور اتحاد الناشرين وإلا ستظل الفوضى موجودة .
بواسطة
بواسطة شيماء عيسى/ محيط
http://www.moheet.com/subject8.html
21 juin 2008
محنة العزوف عن التلقي
و محنة العزوف عن التلقي
د. صالحة رحوتي
المغرب
لعل أكبر داع إلى الحديث عن هذا الموضوع الشائك ذلك الاستنتاج المتكرر التصريح به، و المثير للدهشة و للاستغراب، الغوص في الحيثيات المحيطة به، ذلك القول ب"انحسار الإقبال على اقتناء الكتاب الأدبي، سواء أكان دواوين أشعار أو روايات أو مجموعات قصصية أو غيرها...".
استنتاج يبدو و كأنه الحاضر و المسجل دائما و أبدا في كل التقارير المنشأة عقب كل التظاهرات الثقافية ـ المعارض خاصة ـ ،تلك التي تهتم بالإبداع الأدبي المنشور ورقيا، أي الكتب المتضمنة لكل الأجناس الأدبية بكل أنواعها و أصنافها.
و إذا كان هذا هو واقع الحال و معترف به ، و إذا كان فعل اقتناء الكتب الأدبية أصبح النادر الورود ،فليس من المبالغة في شيء القول بأن الأغلب الساحق من ذلك العدد القليل الذي يُقبل عليه و يشترى يكون من قبل الأدباء أنفسهم و ذلك بهدف:
* ـ تشجيع زميل أديب أو زميلة أديبة ما.
* ـ الإطلاع على ما يمكن أن يكون قد قُرأ عنه من مستجدات و إبداعات جديدة.
* ـ القراءة من أجل القيام بدراسات حول ذلك المقتنى.
و لعل أسئلة عريضة و متناسلة تلح، و أيضا تطالب بالأجوبة حول الظروف التي أدت إلى نشوءه و تواجده ـ و كذا تعاظم وتيرته مع مرور الأيام ـ ذلك التوجه الاستهلاكي الجديد للأدب العربي ،أي ذلك الإقصاء المتفاقم المزمن ،إذ كيف يمكن فهم تخلي القراء العرب عن اهتماماتهم الضاربة الجذور في عمق التاريخ باللغة العربية، و بالنتاجات الأدبية المنسوجة من خيوط حروفها؟
و يبدو باستقراء لواقع الحال، و بسبر لأغوار الظروف المحيطة بهذه الظاهرة أن الأسباب كثيرة و متعددة ،و تتعلق بالأطراف الثلاثة التي تقوم عليها قضية التعامل مع الإنتاجات الأدبية العربية:
1 ـ الأديب.
2 ـ الأدب المنتج.
3 ـ القارئ.
1 ـ الأديب:
استمر اهتمام العربي بالأدب منذ فجر كينونته حتى بداية القرن الماضي، ثم حدثت تغييرات جذرية في التوجهات الفكرية و الإيديولوجية لدى الأدباء العرب، إذ نحوا في الأغلب الساحق نحو اعتناق الفكر التقدمي الاشتراكي أو حتى الشيوعي، و ذلك:
* ـ تأثرا بالتيار الفكري المادي التحرري النابذ للدين المكتسح للغرب آنذاك،
* ـ و نأيا بالنفس عن الرجعية و الظلامية في تلك الفترة الزمنية.
و قد تأثر بتلك الموجة الفكرية جل ـ إن لم نقل كل ـ المتعلمين القادرين على ممارسة القراءة في الوطن العربي آنذاك،و ذلك بفعل الدعاية العالية الوتيرة و المكثفة النبرات التي قامت بها السلطات السياسية الفاعلة في أرجاء الوطن العربي ، تلك السلطات المؤمنة بالقومية العربية و بالاشتراكية وهلم جرا....
فقد كان أولائك المتعلمون الجدد في تلك الحقبة هم الفئة المستهدفة بتلقي أنساق الكلمات المدبجة من قبل الأدباء المناضلين، الذين يشاطرونهم نفس وجهات النظر المستجدة، و يقاسمونهم الرؤية من نفس الزاوية.
توافق كان إذا في تلك الفترة... و إقبال كان أيضا، و استهلاك لكل ما تفتقت عنه قريحة الأدباء، الذين ما توانوا في تأجيج النبرة النضالية في كتاباتهم، و ما قصروا في رفع جرعات الدعوات إلى المقاومة في إبداعاتهم...و ما تأخروا عن إقحام الإشارة إلى ازدراء المقدس في إنتاجاتهم، و ذلك تماشيا مع تلكم الرغبات في الانعتاق حتى من الدين التي كانوا يدركون أنها الكامنة في عمق العربي،ذلك الخارج توا أو يكاد من عمق وهدة الاستعمار الحالكة ،و من مستنقع التحجر و الجمود الآسن، اللذان طالته آثارهما المدمرة لعصور ممتدة تواترت و تناسلت بفعل فقدان الهوية و ضياع سبل التفكير الرصين...
فقد كان التفاعل على أشده بين الأديب المناضل و بين القارئ المتعطش لتشرب الأنساق الأسلوبية المضمخة بأريج التحدي، و بعبق جمالية إثبات الذات،حد اعتقاد ذلك القارئ في قداسة الأديب التقدمي ،و إيمانه بانتمائه لفئة الحكماء، و حتى لجماعة المقاومين الباذلين كل شيء من أجل إكساب الرفعة و التقدم للوطن العربي و للمواطنين العرب ككل.
و قد لمعت أسماء بفعل هذا التوافق العقدي بين الملقين و المتلقين،و حتى وُجد من الأدباء من بنوا صروحهم الإبداعية على القضية الفلسطينية،تلك القضية التي كانت أكثر ما كان يلفت النظر و يحوز الاهتمام آنذاك، و ذلك بفعل جرح الغصب كان لا يزال الحديث، و تنزف جوانبه الدامية المنكأة من طرف العدو باستمرار...
و دام الوضع على هذا لسنوات أو لعشرات من السنين،ثم انهارت قبلة التقدميين و الشيوعيين، و تصدع محراب الاشتراكيين، و تناثرت حجج القوميين،ثم بدت عورات الأنظمة السياسية التي كانت تتعبد في ذلك المحراب و تتوجه إلى تلك القبلة و تتوسل تلك الحجج:
* ـ فأصبحت العارية من كل شيء إلا من أوزار شعوب جُوعت و أُذلت و قُهرت باسم الإنسانية و المساواة و العدل و التحرر،[...]
* ـ و أضحت الواهنة رغم كل الشعارات التي نفخت في كيانها و حاولت إرجاء سقوطها من حين إلى حين...
و هكذا استفاقت الشعوب من أوهام الدعايات المنمقة، و عرف المواطنون العرب أنها كانت مجرد الأراجيف و الأكاذيب، تلك التي أفهموا أنها ترياق نافع و طارد لكل أدواء التخلف و أسقام التبعية...
ثم رأوا بل و استيقنوا من أن تلك الأمراض التي كانت قد تفاقمت ،و تلك الأفكار التي لُقنوها تخلى عنها حتى منتجوها و تبرأوا منها. ..دوار أصاب أولائك المتلقين ...
و حيرة و تغلغلت في أغوار المتعلمين القراء المفترضين ،الذين أصبحوا المتحررين من ربق المنبر الواحد بفعل الثورة الإعلامية و تعدد القنوات الفضائية، فقرروا نبذ كل ما يذكرهم بذلك الماضي شُحنوا فيه بحمولة فكرية أدركوا أن عدوهم المباشر ذلك الصهيوني يتبنى غيرها، بل ينثال من عمق فكره ضدها و ذلك الذي هو على النقيض منها...
استوعبوا أنها دولة دينية تلك التي هزمتهم شر هزيمة، بل و مرغت كرامتهم أو ما تبقى منها في التراب الذي استحلته و طردتهم منه، و أيقنوا أنه خطاب ديني ما ترفع عقيرتها به ،ذلك الذي عُلموا أن يستهينوا به و أن يمجوه و أن يحتقروه في كتاباتهم و إبداعاتهم...
متع لحظية زائفة لربما كانت قد تُحصل عليها، و ما أضحى لها الآن في الزمن الحاضر من قيمة بالنسبة إليهم مقابل الغصة متراكمة و المرارة اكتسحتهم و نغصت حياتهم...
أحاسيس ذل ،و ضغوط يقين بالهزيمة، و شعور بالتبعية عمياء و لا مناص من الاستسلام لها. و إذا كان ذلك الجيل الأول الذي تشبع بذلك الفكر و غمر به كتاباته في الزمن الماضي لا يزال مصرا يفعل غير عابئ بالتغيير و إن كان المجازف بكيانه الفكري و بمكانته الثقافية،فإن حتى أدباء شباب ما عايشوا تلك الحقب "الزاهرة " للفكر التقدمي القومي هلم جرا:
* ـ نهلوا جائعين مما خلفه الآباء.
* ـ و اعتقدوا واهمين أن عليهم أن يرثوا الحمولة الفكرية لأسلافهم التقدميين المتقدمين حتى يحققوا أمجادا كمثل التي كانت لأولئك الأسلاف،
* ـ ثم آمنوا مجانبين للمنطق و مُحيِّدين للعقل بأن الأدب الحق هو كل ذلك الكل بقوالبه و مضامينه ،أي ذلك الذي وجدوه السائد المتعارف عليه ،و لقنوا معاييره و مقاساته،و أن ما سواه ما هو إلا الأنساق الموشومة بثقافة الموت و الموسومة بآثار القبح و بالبشاعة.
فمددوا في عمر ذلك الفكر رغم موته الحقيقي، و وهبوه المساحات شاسعة في فضاءات المعاني في كتاباتهم،و اعتقدوا بأن عليهم أن يكونوا غير العاقين و خير الخلف لخير السلف، و اقتنعوا بأن عليهم القيام بدور المناضلين المكافحين من أجل ترسيخه و توطيد أركانه ،و إعادة الرفعة كانت له قبل هجوم الرجعية و حين انعدام شيوع الظلامية.
تنتابهم الأحاسيس العارمة بأنهم المبشرون بالفكر الحر المُعتِق من كل الأغلال و هم سجناء فكر عفا عليه الزمن ،و ما لهم من رغبة و لا حتى قدرة على مراجعة النفس أضحت الحبيسة لتلكم القناعات، وذلك رغم الاقتناع بعدم الإقبال على ما يكتبون و على ما ينشرون إلا من طرف أمثالهم من الأدباء المؤمنين بنفس الفكر، الذين يؤازرونهم أياما و ينتظرون هم أيضا حظهم من المؤازرة أياما أُخر .
ثم و هم المستيقنون من عدم الإقبال على إبداعتهم،و من انحسار الرغبة في قراءة بنات افكارهم،يستمرون مثابرين في الكتابة بنفس الطريقة ،و يتوسلون نفس المرجعية الفكرية ،و أيضا يغزلون على نفس النول الأسلوبي،ثم و تراهم بعد ذلك يرفعون أصواتهم يستديمون الشكوى من عدم نفوق الكتاب الأدبي في السوق العربية ،و هم الذين ما عملوا على تحيين فكرهم الذي ما يزالون "الصابرين" عليه، "المناضلين" من أجل إذاعة انتشاره ،بالرغم من تداعي أسسه، و وضوح الشقوق ماثلة على جدران كيانه...
يظنون أنهم بتوسل الثبات على "المبادئ"،و ب"النضال" من أجل المرجعية العلمانية المادية يمكنهم أن يغيروا من مرجعيات القراء ،و أن يوجهوا دفة فكرهم، و أن يرغبوهم في تقبل وهم مضامين تالفة يُسَوِّقونها ،كانت الرائجة في زمن ما لغياب الرؤية واضحة، و لعدم وجود أدلة على الضحالة و التهافت كامنتين فيها.
ما يزالون يرون أنفسهم حراس الفكر الثوري، و الوافقين على أعتاب معبد التحرر من ربق الدين يذودون عنه،و هم يرون العالم كله يموج في اتجاه الدفاع عن الهوية الذاتية بكل مكوناتها حتى تلك الدينية، حد ما بقي شبر من البسيطة ما اعتبر فيها الدين ـ حتى الوثني منه ـ ركن من أركان الكينونة بل الركن الأساس بدون منازع و لا خصيم.
و القليل منهم أولائك الأدباء العرب بدأ مرحلة الاستفاقة فقرر أن يعيد للدين و للحديث عنه بعض مكانة في كتاباته،لكن الإله محايد و ناظر من عل إلى عباده في إبداعاته ذلك القليل،عباد لا يتورعون أن يتصرفوا كما يشاءون و يحلو لهم،ثم و هم يدعون لذلك الإله الطيب الساذج المحب أمكنة داخل المعابد يتفاعل فيها مع من يريد الاعتراف بذنب ما...نسخة مما عند الغرب...
ثم هي أممية و إنسانية ...مصطلحات أضحت الدالة على مفاهيم أصبحت البديلة للقومية و للاشتراكية و الشيوعية و لما راج في الزمن الماضي...مفاهيم يغذون بها نصوصهم و يستوحون منها مضامين إبداعتهم.
لكن المشكلة أن هاته المفاهيم المستجدة ليست المرحب بها هي أيضا من طرف القراء العرب ،الذين أصبحوا يدركون أن كل مستورد فاسد لا يصلح إلا لمن أوجده...
و بالتالي فهم المصرون على أن لا يهبوا اهتمامهم إلا لمن أخلص للهوية، و صور حقيقة الإنسان العربي كما هو دون تجريده مما هو مفطور عليه و كامن فيه.
و حتى تلك الصوفية المخدرة الهجينة الحائزة على رضا الغرب ما عادت تنفع في إتقان المغازلة، و ما أصبحت تؤتي الأكل من قبيل لفت الانتباه و الترغيب في الاقتناء و الاستهلاك في زمن الأوبة إلى الله.
2 ـ الإنتاج الأدبي:
لا بد أن هنالك خصائص و صفات معينة للإنتاج الأدبي العربي الحالي ساهمت في العزوف عن الاطلاع عليه و في رفض تلقيه،إذ ما تزال كتابات أغلب الأدباء العرب تلك الداعية إلى التيه بين أدغال الشك و أشواك المجون.
فشعرهم هو ذلك الغامض المبهم الخالي من كل معنى إلا ما أعان على التحرر من الدين و من القيم و الأخلاق،و رواياتهم و قصصهم و حكاياتهم ما هي إلا تصوير لأحوال الفاسدين المنحلين ال"المتمردين على كل ما هو الممتوح من مما تلقاه الإنسان من ربه من توجيهات و مبادئ ...
و حتى خواطرهم لا تغوص كلماتها إلا في الحلقات مفرغة و يصيب التجوال بين أحرفها بالدوار و بالغثيان،ثم و لا حتى السير الذاتية خرجت من إطار تداعى و أصبح القديم المتجاوز ،فما تُركز إلا على كل فعل قبيح اقتُرِف منهم في زمن ما، و تحملوا تبعاته المخزية ،ثم و يصورونه على أنه البطولي المُقحِم لهم في عوالم المُتًحَدِّين الراسخين في علم التمرد المُمَيَّزين.
إذ هي الحمولة الفكرية التقدمية و القومية و الحداثية التي مجها القارئ العربي في الزمن الحاضر تلك التي تبث بين الكلمات،فتتحول النصوص تبعا لذلك إلى ما يجب أن يحشر في حيز إرث عُفي عنه ،و حتى تُجُووِزَ بفعل نزوع الشعوب العربية نحو إعادة النظر فيما استخف بواسطته بها من أفكار و مفاهيم تُخُلِّيَ عنها، و كذا استُبدِلت في كل أنحاء المعمور بما هو مواز للتعبير عن حقيقة الذات.
فالكتابات الأدبية العربية الحالية استُغني عن قراءتها لأنها ما عادت تروي الظمأ إلى الانعتاق، و لا تحقق حتى أحلام التحرر من التبعية.
الكلمات تائهة و مُركسة في يم المعاني الهائج المضطرم الفاقد للشاطئ آمن يُرسى فيه،و الجمالية المتغنى بها و المتحدث عنها في كل المنابر غائبة مغيبة رغم القول بأنها الكامنة بين ثنايا الأحرف و يطالب القارئ بتقفي آثارها و باستيفاء أنوارها المجهولة المفترضة...
إبهام و غموض و ارتجال حد الهذيان،و تمييع و تبسيط و غوص في متاهات العامية حد المباشراتية و التقريرية و السوقية و استعمال لغة الغوغاء.
ثم و يبدو أن البقية الباقية من الاحتفاء بالأدب متعلقة بجنس أدبي واحد هو الرواية،
و هذا الاستثناء مرتبط فقط باحتوائه هذا الجنس على مكون الحكاية ليس إلا، فهو من دون الأجناس الأخرى تتواتر فيه الأحداث و تتناسل و يعرف عن طريقها إن مآل البطل أو صيرورة باقي الشخصيات.
و لعل هذا الإصرار على حضور الحكاية من أجل الإطلاع على الأدب العربي الحالي متعلق بإدمان ذلك الصنف المطلع من القراء العرب على اللذة كامنة في الحكايات المصورة المبتذلة الساقطة في المسلسلات و الأفلام.....
و لا شك أن هذا التبرير يبدو مشروعا حين يطلع على نوعية الروايات الرائجة، فهي البسيطة الأسلوب و حتى المفعمة بالعامية، الكثيرة الأحداث، المتطرقة للتافه من المواضيع و للشاذ المنحرف من الشخصيات...
فكل الروايات المتميزة الأسلوب، الراقية اللغة، و السامية المنحى الفكري، و المتوسلة للرمزية و للصور الشعرية، لا تكاد تبرح مكانها على رفوف المكتبات إلا إذا وهبت أو أودعت في مستودعات التجميع.
3 ـ القارئ:
لا بد و أن لهذا العنصر الثالث دور فعال أيضا في مسار تداول الإبداعات الأدبية في واقعنا العربي،فمؤثرات عدة تمكنت من التغلغل عميقا في نسيج عقل القارئ العربي ،و دفعت به إلى تغيير قناعاته بخصوص احتياجه إلى الجمالية كامنة و موحية في النص الأدبي ،تلك الغائبة المغيبة عن اللغة التقريرية و السطحية التي يلتقي بها في الأساليب الكتابية في الصحافة و في باقي المجالات الأخرى.
و لعل الناظر المفترس في أحوال القراء الفكرية و حول طرائق تلقيهم للثقافة عموما و للأدب خصوصا، يجد أنه من الممكن تصنيفهم إلى نوعين من جهة نوعية الأسباب الدافعة لهم إلى الابتعاد عن تذوق الأدب، و عن الإقبال على اقتناء الكتب المحتوية لمختلف أجناسه.
أ ـ الصنف الأول:
هم الذين انزرعت بذور الوعي في مساحات فكرهم،و يبحثون عما يغني تلكم المساحات، و يحولها من القفر اليباب إلى الجنان وارفة فيها ما ينفعهم و يؤجج وتيرة نهضتهم، و كذا يسرع من استيقاظهم .
تهمهم الجمالية و لا يغمطون أنفسهم حقها فيها ،لكنهم لا يريدون هدر الوقت فيما لا طائلة من ورائه مما لا يقدم شيئا و لا يعين على تلمس طريق...اطلعوا على جل ما يكتب تحت اسم الأدب فوجوده طلاسم و هراء و حكايات وهمية و أساطير مستوردة و سير شخصيات لا تربطهم بهم وشائج، و ليس لهم معهم قواسم مشتركة إلا نوعية الأسماء أو الانتماء الجغرافي، فالقناعات مختلفة، و الهموم متباينة، و التطلعات متناقضة، و بالتالي لا يمكن أن يعنيهم منهم الحال و لا المآل.
تيه و هم السائرون نحو الأهداف ،و تأرجح و هم الثابتون على المبادئ،و انحراف و مجون و هم المصرون على الفضيلة و الاستعفاف ،و انبطاح و هم الطامعون في الانعتاق ،فما يمكن أن يستفيدوا من تلكم الأسفار الأدبية إذا اطلعوا عليها إلا الحجة على أن غياب الهوية الذاتية مُقتنَع بها، و مُسْكَنَة في المهج ،يؤدي إلى استجداء شذرات من تلك للغير، ثم و تبعية تتواتر حلقاتها بعد ذلك ،و لا تحرر مبشر به و لا انعتاق...
و دائما يشار بالبنان إلى شيوع القناعات الدينية لدى هذه الفئة كسبب من أسباب تدني نسبة الإقبال على الأدب،و يطلق عليها تلك القناعات مسمى الفكر الغيبي الخرافي، و حتى تلصق به كل التهم من رجعية و ظلامية ،لكن و بالرغم من محاولات تسليط الضوء المتواصلة على المقولة و من التذكير المتواتر بها، فإن الكل يدرك أن التدين الحق لا يمكن أن يكون أبدا ذلك الصاد عن استمراء آثار الكلمات الجميلة العذبة المعبرة ،و لا ذلك المانع من التلذذ بالإيحاءات السامية الرفيعة.
فما هو كائن لا يعدو كونه انحسار ـ أو انعدام ـ لاهتمام القارئ العربي من هذا الصنف الواعي بالأدب الذي لا يهتم به كشخص و بقناعاته الجديدة ،بل و يهاجمها و يسفه المقتنعين بها، و يريده دائما ذلك القارئ العلماني الذي فصلت مقاساته في الستينيات و السبعينيات و ما بعدها من القرن الماضي،مقاسات ير


